الحدّة والشدّة

 ليت الطفولة تعود يومًا، لأخبرها بما فعل النضوجُ.

 ليتني لم أكن ذاك الشخص الجاد خلال طفولتي، ليتني لم آخذ الحياة على محمل المسؤولية منذ نعومة اظفاري.

حتى عندما كنت في الابتدائية؛ كنت استنكر على من هم في سني، الجدالات العقيمة؛ والأفكار السقيمة، وقلة الإحترام، خلق المشاكل من اللاشيء، وطول اللسان، والركض في أماكن لا تناسب الركض، والحديث بصوتٍ صاخب في أماكن تستوجب الهُدوء، وغيرها من حركات الأطفال البريئة والجريئة.

ولكني حينما أتذكرها الآن أقول: فعلًا كانو أطفال وما يقومون به هو الطبيعي جدّا؛ أنا من كُنت غريبة :)!

 مع هذا، أنا لا أنكر كوني كُنت ألعب إلى عُمر ليس بصغير؛ وكنت استنكر على من يتنازل عن اللعب لظنه انه كبر وهو مازال في ال ١١ وال ١٢. 

كنت أحب الألعاب الشعبية القديمة الشائعة بيننا "طيرة" "مويا ثلج" "طش" "ثعلب" وغيرها من ألعاب الركض والجري..

كان من يصغُرونني يحبونني ويأتون نهاية الأسبوع إلى دارنا خاصة لمناداتي، ومعهم مفتاح مكاننا المفضل للعب، فأنا بنظرهم من يقود ويرتب وينظم ويشاركهم حلاوة وحماس الركض والجري.

مرت الأيام وكبر الأطفال واحدًا تل والآخر، واستوجب الفراق والفصل؛ وهذا كان بداية انقطاعي عن شيء كنت أحبّه وأفرغ طاقاتي واستشعر بحلاوة الحياة فيه وأن لا عمر يمنعني عن الاستمتاع واللعب.

لِم وصولي لمرحلة عمرية يحتّم علي ترك ما استهوية، ويشترط علي رسميات وشكليات لا فائدة منها البتّة!

أظن أن هذه المرحلة "مرحلة الفصل والتوقف"؛ كانت كفيلة بزيادة حدّة وشدّة نظرتي للحياة. سلبت مني آخر ما كنت استشعر فيه طفولتي.

أظن أن التوازن بين الروحين التي في داخلي قد فُقد وقتها، فلم تعد هُناك إلا تلك الروح التي لم يكن يراها قبل إلا الغرباء تلك الروح الشديدة الصارمة والهادئة جدًّا المليئة بالعقل، الروح التي تجعل من ينظر إلي يظنني في مَرحلةٍ عمريةٍ أكبر.

حينما كنت في المرحلة المتوسطة، كانو يظنوني في الثانوية -رغم انني لم أكن انقطت بعد عن اللعب-
وهذا آخر يسألني "سجلتي في الجامعة؟" ماذا تقول ياسيّد وعن أي جامعةٍ تتحدّث؟ انا لم أختر في أي ثانوية سأكون بعد! ألهذه الدرجة أبدو لكم ناضجة؟
وذات يوم في المرحلة الثانوية، زارتنا إحدى العائلات لأول مرة نراهم فيها ويروننا، حينها كنت في الثانوية؛ ولكنهم ظنو أني أكبرهم فأنا في نظرهم أبدو كفتاةٍ في المرحلة الجامعية.

لا أُخفيكم أني للآن أحب وجود ذاك الجانب العاقل مني في عمر صغير، ولكني الآن أيضًا أدركت أنه لم يكن يُناسب فتَاة أن تأخذ الحياة على محمل جدّية لا تستحقها.

فلا الكفاحُ يلائم حياتها؛ ولا هي مسؤولة عن الشقاء؛ حياتها أبسط من كل نظرةٍ جديةٍ لها.

فلا هو مطلوب منها الشدّة مع البشر، ولا مخالطة الناس بشتّى أشكالهم.
فهي فقط من جنسٍ لطيف رقيق؛ لا يتطلّب هذه الحدّة والغلظة التي بدورها مطلوبة عند من كُتب عليهم الشقّاء ومواجهة الشرسين من بنو جِنسهم. انتهى.

الساعة السابعة
صباح الخميس
١٧-١٢-٢٠٢٠

تعليقات